فخر الدين الرازي

115

تفسير الرازي

المسألة الأولى : أن في كيفية النظم وجهين الأول : أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما : الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني : ترك الربا ، وهو أيضاً سبب لتنقيص المال ، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم ، فقال : * ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) * والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى ترك الربا ، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال ، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف ، وقد ورد نظيره في سورة النساء * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ) * ( النساء : 5 ) فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد ، قال القفال رحمه الله تعالى : والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه الآية بسط شديد ، ألا ترى أنه قال : * ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) * ثم قال ثانياً : * ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) * ثم قال ثالثاً : * ( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ) * فكان هذا كالتكرار لقوله * ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) * لأن العدل هو ما علمه الله ، ثم قال رابعاً : * ( فليكتب ) * وهذا إعادة الأمر الأول ، ثم قال خامساً : * ( وليملل الذي عليه الحق ) * وفي قوله * ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) * كفاية عن قوله * ( فليملل الذي عليه الحق ) * لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه ، ثم قال سادساً : * ( وليتق الله ربه ) * وهذا تأكيد ، ثم قال سابعاً : * ( ولا يبخس منه شيئاً ) * فهذا كالمستفاد من قوله * ( وليتق الله ربه ) * ثم قال ثامناً : * ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ) * وهو أيضاً تأكيد لما مضى ، ثم قال تاسعاً : * ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم الشهادة وأدنى أن لا ترتابوا ) * فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله ، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره ، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم ، وهو حسن لطيف . والوجه الثاني : أن قوماً من المفسرين قالوا : المراد بالمداينة السلم ، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ، ولهذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا